محمد جمال الدين القاسمي
212
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
جاء برأي خير منه قبلناه . ولهذا لما اجتمع أفضل أصحابه ، أبو يوسف بإمام دار الهجرة ، مالك بن أنس وسأله عن مسألة الصاع ، وصدقة الخضراوات ، ومسألة الأحباس ، فأخبره مالك رضي اللّه عنه بما دلت عليه السنة في ذلك . فقال : رجعت لقولك يا أبا عبد اللّه . ولو رأى صاحبي ما رأيت لرجع كما رجعت . ومالك رحمه اللّه كان يقول : إنما أنا بشر أصيب وأخطئ فاعرضوا قولي على الكتاب والسنة . أو كلام هذا معناه . والشافعيّ رحمه اللّه كان يقول : إذا صح الحديث بخلاف قولي فاضربوا بقولي الحائط . وإذا رأيت الحجة موضوعة على طريق فهي قولي . ثم قال ابن تيمية : وإذا قيل لهذا المستفني المسترشد : أنت أعلم أم الإمام الفلانيّ ؟ كانت هذه معارضة فاسدة . لأن الإمام الفلانيّ قد خالفه في هذه المسألة من هو نظيره من الأئمة . ولست من هذا ولا من هذا . ولكن نسبه هؤلاء الأئمة إليّ نسبة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبيّ ومعاذ ونحوهم إلى الأئمة وغيرهم . فكما أن هؤلاء الصحابة بعضهم لبعض أكفاء في موارد النزاع ، فإذا تنازعوا في شيء ردوه إلى اللّه وإلى رسوله ، وإن كان بعضهم قد يكون أعلم في مواضع أخر . وكذلك موارد النزاع بين الأئمة . وقد ترك الناس قول عمر وابن مسعود رضي اللّه عنهما في مسألة تيمم الجنب . وأخذوا بقول أبي موسى الأشعريّ رضي اللّه عنه وغيره ، لما احتج بالكتاب والسنة . وتركوا قول عمر رضي اللّه عنه في دية الأصابع ، وأخذوا بقول معاوية بن أبي سفيان ، لما كان من السنة أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال : هذه وهذه سواء ، وقد كان بعض الناس يناظر ابن عباس رضي اللّه عنهما في المتعة . فقال له : قال أبو بكر وعمر . فقال ابن عباس : يوشك أن ينزل عليكم حجارة من السماء . أقول : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وتقولون : قال أبو بكر وعمر . وكذلك ابن عمر رضي اللّه عنهما ، لما سألوه عنها ، فأمر بها فعارضوه بقول عمر . فبين لهم أن عمر لم يرد ما يقولونه . فألحوا عليه فقال لهم . أرسول اللّه أحق أن يتبع أم عمر ؟ مع علم الناس بأن أبا بكر وعمر أعلم من ابن عمر وابن عباس رضي اللّه عنهم . ولو فتح هذا الباب لأوجب أن يعرض عن أمر اللّه ورسوله ، وبقي كل إمام في أتباعه بمنزلة النبيّ في أمته . وهذا تبديل للدين وشبيه بما عاب اللّه به النصارى في قوله : اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [ التوبة : 31 ] . واللّه سبحانه أعلم . انتهى .